لعله طقس جميل يرافقنا في رحلة الأيام الثلاثة كما يقول ربان هذه السفينة القديمة.
قالوا :
- لاتخافوا نحن معكم ، وقد زرنا تلك الجزر مئات المرات ، وهذه السفينة قوية رغم قدمها ، وتتسع لخمسمائة شخص ونحن قد وضعنا فيها ثلاثمائة وخمسين فقط .. رحلتنا موفقة انشاء الله وسننزلكم على الشاطيء ليلاً ، وهناك تصبحون لاجئين تتقاضون الرواتب وأنتم مرتاحون وفي الأمان . لهذا أخذنا خمسة آلاف لكل واحد لأن لدينا مصاريف كثيرة ، منها تحت الطاولة إن كان في المياه الإقليمية وقت الإبحار وإن كان لخفر السواحل وقت الوصول ..
كدنا نصدق ما قال الرجل ، لكن اليوم الثاني للرحلة كان شاهداً على كذبه في كل ما قال. ..
أصبحت السفينة قارباً متهالكاً ثقيل الحمل ، يئن في حركته ، تلعب به الأمواج والرياح ..
ظلام في كل اتجاه .. ورشاش علينا من مياه البحر المالحة ، وخزان الماء نفذ وغاب ربان السفينة العتيدة عن الأنظار. ..
عند الصباح الباكر وجدنا أنفسنا وحيدين بلا ربان ولا حركة ولا وسيلة اتصال صالحة ، نعارك الموج الذي يتعاظم بقارب قديم ، وهطول المطر الذي يشتد.
صراخ وعويل وإقياء وصلوات ودعوات. ..
- أشعلوا النار لعل أحداً يرانا. .
- كيف ، وهذا المطر وهذا الموج وهذه الأسر المتهالكة ؟!
قال عجوز :
- يا أمنا العذراء انجدينا !
قال عجوز آخر:
- بجاه نبينا محمد ، يارب اغمرنا برحمتك !
مر يوم هو أطول أيام التاريخ .. وبعد كل المحاولات بشتى الاتجاهات همد معظم الناس مرهقين يائسين وسلموا أمرهم إلى الله .. هلع أخرس الأشقياء في كل مكان. ..
وجدت على دكة السفينة المبللة الزلقة صورة لمريم العذراء ، وأنا أرى هناك في القرب العجوز وقد ارتمى هامداً .. حاولت وضع الأيقونة على صدره ، لكنني بالنتيجة رفعتها وحضنتها. .
انزلقت على دكة السفينة مع شدة الموج من طرفها لطرفها حتى رأيت العجوز الآخر وبجانبه قرآنه.
التقطته وضممته لايقونة العذراء وادخلتهما تحت ثيابي المبلله وحاولت الهدوء والسكينة متمسكا بجدار غرفة القبطان الفارغة المليئة من الداخل بالبشر من كل الأنواع ..
ماعدت أسمع غير عصف الريح وزخ المطر وآهات قد تعبت وهي تقارب الموت .. ربطت جذعي بالحبل السائب ما استطعت ، ثم ارتخيت في إعياء ..
تذكرت قصيدة للشاعر الإنكليزي كوليريدج عن بحار قديم يقتل طائر الخير ، فتحل اللعنة على من في السفينة ، ويبقى وحيداً بين موتى .. يتمنى الموت فلا يطاله .
ثم غبت عن الوجود ..
أنا ومريم في جزيرة نقاء وحب .. هنا الأشحار والنسمة والشمس تتداخل والأغصان وماء رقراق يسري ..
نحن عراة .. لا أحد يرانا. .. ربيع وربيع وربيع ، وزهر الحب بديع ،
كل شيء له رقصة ، العصافير والنحل والزهور ، لكن أجملها رقصة مريم ..
نحن حواء وآدم في الجنة ، نشتاق لتقاربنا ، ولا ندري أياً من جوانبنا أمتع!
ليس في الجنة أثر لأي كائن بشري غيرنا ..
إذن فنحن بداية الكون .
هي حواء وانا آدم وكلانا في الجنة ، لدينا نور ، لدينا نسمة ، لدينا كوثر وعسل وكل الرغبات هنا مسموحة.
أسراب طيور تتوقف على الأغصان تواجهنا وتغرد وعندما ترحل تأتي طيور أخرى وتغرد. غزلان تستعرض جمال عيونها ..
كله يسلم ويحني رأسه مبتسماً ويطلب الإذن بالمغادرة ليفسح الساحة لجمال آخر يتهادى امام الملكة مريم ، وأمام المليك أنا ...
شيء غريب كان يحدث :
كلما أردت احتضان مريم كانت تختفي ، مرة أجدها فوق شجرة ، ومرة في بركة ماء ، مرة بين الطيور ومرة ترقد في خيمة ..
- كيف حبيبتي تفعلين هذا بي ؟!
- عندما يكون اللقاء بعد اللهفة تتضاعف خلجات الشوق.
ليس لدينا ذاكرة ، لا نعرف شيئاً سوى أننا في جنة الخلد ، ومريم تستعيد عذريتها وصباها ونضارتها دائماً رغم كل الزمن وكل ألاعيب المتعة التي نمارسها
- أتحبين من الشجر ان يقترب إليك بثمره ؟!
- الأجمل أن أتسلق الشجرة اتحسسها وأعض على الأثمار معلقة بالغصن !
صعدت حواء وبقيت أنا مسترخياً علاى سندس ناعم من خضار الارض الممتد بلا حدود أو آفاق ، هي الأمثل لكل الأحبة والعشاق .. ليس للمكان حساب وليس للزمان رقم. .
ما أردت الخروج من حالة السبات تلك ، غير أن أدوية الطبيب فرضت علي الاستيقاظ التدريحي .
ما أن تبينت أنني على سرير أبيض ، وحولي بضعة رجال ونساء بثياب بيضاء ، لا أعرف لغتهم ، حتى بدأت أستوعب ما حدث ..
كان بجانبي الرجل العجوز بيده أيقونة العذراء ، والعجوز الآخر بيده القرآن . تأكدت بأنه قد أتت نجدة بطريقة ما لتنقذ من تبقى من ركاب السفينة ، وكان العجوزان ، وقد ظهرا لي موتى وقتها ، من اولئك القلة الذين نجوا لحظات وقبل ..لحظات الرحيل من قارب الموت وجد كل منهما أمامي قطعته التي يحس بها تربطه بسمائه ، فالتقطها ، وعاد لضمها فرحاً بها ..
لقد استمرت السفينة التائهة الهائمة تصارع الموج فسقط منها من سقط وبقي من بقي ، حتى اليوم التالي ، حيث أبلغت طائرة عابرة خفر السواحل في هذه البلاد عن سفينة تحمل الموتى وتوزعهم كلما هاج الموج وماج ، وهي ميتة بلا حراك، ساكنة في عرض البحر ..
تقدم أحد الركاب مني ،:
- الحمد لله على السلامة .. لم يبق غيرنا !
نحن الأربعة وأم وابنتها مريم وطفل اسمه عيسى ، سبعة فقط !
وجدت الفرصة لدخول الغرفة المجاورة. .
نقرت الباب ..
- انت أم مريم ؟ وأنت مريم ، وهذا عيسى !
قالت الأم :
- تعال يا بني ! ادخل ! اجلس ! من أنت ؟!
نظرت في وجه مريم ، وكأنني أعرفها !
- أنت مريم ؟! فقدتِ زوجك في البلد .. تيتم الصغير ؟! غاب ولم يعد. .. بعتم البيت المهدم ، أو لم تبيعيه ، وربما بعت شيئاً آخر ثم هربت مع أمك وابنك. .
- كيف عرفت ؟! هذا صحيح !
- هي ليست قصتك فقط ! هي قصة شائعة في بلاد لاتعرف إلا الموت ..
التفت إلى الأم:
- أنت من الجبل أم من القرية أم من الضاحية ، أم .. ؟!
- أم من حيث ولدتك امك ؟! ..فكلها أرض واحدة. أرض واحدة وشعب واحد من حيثما جئت ..
عندما خرجنا من المستشفى اخترنا أن نبقى معاً ..
لعلنا نعود معاً في يوم ما ، ونصنع جنة السبات التي عشتها بين الحياة والموت ، نبنيها مجدداً في وطن الآباء والأجداد.
- مريم !.. هل سنبني جزيرة سيدنا آدم وأمنا حواء ؟!
هي الحلم الذي غرسه الله فينا ونحن الذين قد شوهناه ..
قولي نعم !
مريم قولي نعم !
ولكن بشرط أن لا تختبئي مني ولو بين الطيور أو في جدول او خيمة ..
قلبي ماعاد يطيق الفراق أبداً ..
عينها في عيني .. يداي ممتدتان لاحتضانها ، ويداها كذلك ..
عندما اقتربنا كثيراً جدا والتقينا ..
كان عيسى هو الذي استقبل حضنينا معاً ..
*** * ***
زهير