وقفت أمام المرآة وضحكت على نفسي :
- انتبه! سيحسبونك مجنونا إن قلت هذا أمام الناس!..
زممت شفتي وقلت:
- بالتأكيد أنت تعرف معنى ما تقول. أنت لم تهرف بما لاتعرف بعد! ألم تعِد نفسك بأن مُحييك ومميتك سيستجيب لك ويتركك تصطخب في الدنيا مائة سنة أخرى؟!
كنت أحادث نفسي ..
- اعقل يا ولد !
ثم رحت أضحك، وأتساءل: أنا ولد، وبعض رفاقي ماتوا؟! ..بل نعم ! إني فتى، وأنا في الستين وأكثر .. هناك شيء ما يحصل في الميزان ، فليس ماتفكر فيه هو المنطق ! ولكن ماهو منطق هذه الدنيا، هل هناك من يخبرني؟!
- اذهب للنوم إذن! ستكون بخير ..
ما أن دسست جسدي في الفراش وأحسست ببعض الدفء في هذا الليل الصقيعي، بلا كهرباء ولا ماء .. حتى غرقت في نشيد من بكاء، ورقص من الرجفات ودمع يسيل كالدم ..
مضت ساعتان، وفي كل رجفة كنت أحس أن الزلزال هو الذي يعبث بالأرض كلها ..
لا أرض تستوي على ميزان، طالما أن البحر يجزر ويمتد، ويعلو ويهبط ويموج، وطالما أن كل الأشياء تمتزج بكل الأشياء ..
كلما خلوت إلى نفسي تعود أزمة الإنسان لي مابين السخرية من ألم عميق ممتد ومابين الموت ومابين الحب الأعظم في التاريخ ..
كانت عاصفة الثلج قد هدأت وأصبحت غرفتي الباردة تستضيء بانعكاس النور الباكر على سطح الثلج الناصع على مد النظر ..
بات صخب الليل في قلب الإعصار هدوءاً لايتحدث إلا باللون الأبيض البارد كأيام القطب والزحافات .. هناك في تلك البلاد يستعينون بالكلاب، ولكن حتى كلابنا قد نفقت، بعد أن نفقت بنات آوى، بسبب نفوق الدواجن .
أصبحت الجبال والوديان والصحارى سواء بسواء ..
- (( أفلا تستبشر بهذا الثلج والامتداد الأبيض الذي يكتنز من الماء ما يكفي لسقاية الأرض وإنباتها؟ لقد مرت سنون عجاف كثيرة، شحت فيها السماء، وكادت تغور كل المياه إلى قاع ضائع، فقد ضاعت المياه كما ضاعت البشر! . قالوا إن أنابيب الأجداد لم تعد تكفي، وبدل الأنابيب الحديدية الصدئة، سنمد أنابيب من االلدائن، تعيش مئات السنين .
تسربت المياه القليلة في تراب الحفر الذي ردمه الناس بأقدامهم وضاعت الأنابيب والمياه وبقي خيط الأمل البسيط في أنابيب صدئة من زمن الأجداد..
((قم أبي من قبرك وحدثني كيف مات أبوك، وكيف أعادته أعاصير تهلك، وتحيي ! قم حدثني عن شكواك! .. قل لي كيف يقتل غبار الحجر في بلدي إنساناً، هو من يشذبه ليجعل منه الآية !
قم أبت وحدثني عن حب! .. أتذكر يا أبت، كيف قبلتك الصبية االلبنانية فأعادت البسمة إلى شفتيك، فكأنها أحيتك من بين الأموات؟!..))
كنت في مونولوج داخلي أعيشه، يشبه فيما يشبه الهروب إلى الداخل، أحدث نفسي، وأحاول أن أحيا، كما كان جدي، وجد الأجداد .. فليت المراكب ما كانت، وليت الطائرات ما صنعوها وليت السيارات احترقت، فقد كنا نحن من ينتظر أسراب السنونو والقطا تأتينا، وعلى ضفتي قلبي يسكن الياسمين ..
هكذا كانت حكاية (لولية) قبل أن أتعلم أن أقرأ لغتي العربية ..
ساعتان من أشعة الشمس كانتا كافيتين لإعادة الأرض لما كانت عليه من رائحة تشبه عفن الحاويات، وبعثرتها في كل مكان، وبهجة على الوجوه ذابت كما ذابت تلك الطبقة من الثلوج ..
حتى العاصفة المثلجة كانت بخيلة في عطائها، وكريمة في عدد من انزلقوا على الطريق فتكسرت أضلاعهم، ولم يجدوا جدتي أم قدورة تجبر كسورهم .. ماتت جدتي قهرا على ابنها الذي سبقها، وكانت تتمنى أن تراه بعينين، لكن وصفة قطرات الشيخ بعينيها قتلت واحدة من تلك العينين ..
جدي .. بقي ذكرى وقد دفنوا معه ذكرى نوله ومنشاره وقيام الليل ..
كان جدي يبكي كل حياته .. فكتبتُ كيف ربط جدي في الحرب العالمية الأولى الغريب بجذع أصل التين في البيداء، وتركه لمصيره، وفي تلك المنطقة جبال الأرض جائعة، فجاع فيها ضباعها ..
كنت أفكر كيف كتبت قصة أسطورة حب شامية .. وقد كانت أسطورة، بنيت على حقيقة أن ابنة الصالحية سرقت لي ضمة ورد من حديقة أبيها من أجلي، فظن الأب أني اللص فأرسل البنت لتدق على بيتي الباب، فخفت، وضيعت فرصة اللقاء، فقد ظننت أن الأب هو من جاء ليعاقبني ..
ضيعت الفرصة في خوفي ..
ماذا أهذي؟!
أليس كل ما أتنقل بينه من أفكار هو مثل أمة ضاعت، لا تعرف من أين جاءت ولا إلى أين تسير؟!
الآن!
الآن من يقرأ عبثي، يضيع، كما ضعت أنا، كالرضيع الذي جف ثدي أمه، فهرب إلى الشاة، فوجد ضرعها قد أصبح خرقة!. زحف إلى الزريبة فوجد البقرة تبحث عن خشب بين الأنقاض، والكلبة تحاول ضخ الحليب من البقرة، والجرو يحاول ضخ الحليب من أمه ..
هي دنيانا ..
لماذا؟
هل أجرؤ على هذا السؤال؟ !
هنا السؤال ممنوع والجواب كذلك !
نحن لم نتعلم غير (هنا) هنا نحيا، وهنا نجري، وهنا يجب أن تدفننا الأيام! كل ذلك يجب أن يحدث في صمت البلهاء .. كلمة لماذا ممنوعة، والجواب هنا ممنوع، والسؤال حتى في خلدك يجب أن يبقى للأبدية مدفونا ..
الحب هو الممنوع ! العدل قد قتلوه ! .. من قتله ، ولماذا؟ وأين اللقمة من يسرقها؟!
نمت .. نمت وقد أرهقتني حكايات ضائعة فييني ..وما عدت أعرف أين أنام الآن، على بعد آلاف الكيلو مترات أم على سرير من خشب ضعت فيه وارتجفت في تلك الليلة .. ليلة الصقيع في الطبيعة والقلوب .
قالوا، هنا في هذا البعد الأسطوري ..، قالوا إنني أهذي وبي حمى قد تقتلني ..
جاءتني الممرضة، بوجهها الباسم :
- "إيسيه غالا كيريه! تي ينيته ماستري؟ !"
كانت تحدثني بلغتها، وبعذوبة شفتيها قائلة:
- هل أنت في حال جيدة أيها السيد؟! مابك سيدي؟!
- من؟ ! أنت "لولية "؟!
- من هي لولية؟!
- إنها تشبهك!
ابتسمت الممرضة، وكانت قامتها تعاكس نافذة نور النهار المشمس الربيعي الدافيء .. كانت البيوت عبر النافذة تمتد في ضوء ساطع، ينقل لي بقوة لوحة بانورامية من البيوت الناصعة في غابة خضراء ..
لأن قامتها كانت تعاكس ضوء النافذة كانت هناك هالة حول وجهها ذكرتني بمريم المجدلية !
- لولية ! هكذا كان وجهها ونحن نجري في الحقل معا .. تتقصد حجب الشمس عني بجسمها الصغير ووجهها الناعم نكاية .. هي لم تكن تعلم أن وجهها كان أجمل من الشمس وأكثر دفئاً.
سألتني الممرضة الفتية وأنا الكهل بين يديها، تلفني بغطاء أبيض ناصع مثل ثلج في بلاد جافة ..
- لماذا لم تتزوجا إذن؟!
أخذت أقهقه، كما لو أن شخير الشاة وقت ذبحها قد جاء.. امتزج دمعي بباقي كيماويات المساج الذي عملته لوجهي وصدري! فتابعت:
- مابك عمو؟! أرجوك لا تعد لهذيانك .. اهدأ .. انظر إلى النافذة وهذا المنظر الجميل .. "إتيز ذى سبرنغ، فرند!" إنه الربيع ياصديقي !
هدأتُ قليلا ، ولكن دمعي مازال ينساب !
- أين زوجك وأولادك؟
- آه، معك حق، هذا هو الرقم ! اتصلي بهم ! لا أدري ماذا حصل لي..
كنا ضائعين في وطننا، وهانحن غرباء في الغربة، ومنفيون أيضا في النفي ..
- إنك لرجل بمنتهى الحساسية! لماذا كل هذا ياعم؟! ماذا تعمل؟!
- كل شيء ! عملت مدرساً وكاتباً وموظفا وتاجراً..
- كاتباً سيدي! كاتباً .. أحبك ! حدثني، آمل أنك تكتب روايات عن الحب !
لم تستجب بسرعة لجرس من غرفة الممرضات، منتظرة جوابي:
- نعم يا صغيرتي، كتبت عن الحب، كثيرا كتبت عنه، لذا ترينني هنا .. لو كتبت عن المصالح لرأيتني غنياً وبطلاً، وربما اسمي على أجهزة التلفاز كل يوم، والله أعلم!
- سأعود لك في وقت استراحتي، أريدك أن تحدثني .. حدثني عن لولية .. لا تخف أنت بخير ..
ابتسمت لي، بينما كانت تغادرني وكأنني عشيق لها ..
إذن هناك من يحترم أصحاب الكلمة، ويحبهم حقاً!
مرت عابرة بعد قليل، ثم سألتني ولم تزل البسمة على ذلك الوجه الناعم :
- ها؟ كيف الحال؟!
- بخير! بوجودك يا ابنتي!
توقفتْ لحظة، ثم تابعت، حاملة معها ابتسامة أكثر عمقاً مما سبق .. ناديتها :
- حتى الآن لا أعرف اسمك!
- آنا ماريا ! ألا تعرف القديسة آنا ماريا؟!
- بلى! أعرفها! اسمها في بلدنا لولية! أتعرفين لولية؟! عندكم تحبون القديسة، ونحن نفتح المراقص من أجل السياحة ..
- لماذا؟ أليس عندكم تراث وأماكن جميلة ؟!
- عندنا كل شيء، لكن سياحتنا من نوع آخر ..
- والله سأعود لك لأتعرف على لوليتك، وعلى رواياتك .. لم يرد أحد على الرقم الذي أعطيتني إياه بعد .. نصف ساعة وآتي إليك كزائرة .. لا كممرضة.
غفوت قليلاً ..
فما الدنيا إلا غفوات وصحوات، حتى هدأ عنفوان قلبي.. بللت شفتي بماء من جبال الجزيرة .. ارتخى كل شخص في مكانه .. كنت أرى بعض المرضى إما خرجوا يتمشون، أو رقدوا في أسرتهم وكأنهم في سبات .. هناك وقفات في النهار للراحة وتجديد النشاط لابد من أحترامها . كانت فترة انتظار مشبعة بالهدوء وأحلام اليقظة ..
يقولون عني إنني أحب الوجوه الأنثوية، وأنا أعترف .. فوجه أمي كان أول الوجوه التي تآلفت معها، حتى أصبح مهيمنا في داخلي، ثم وجه أختي التي رافقني نشأتي، ووجه لولية ..
لم يغادرني وجه لولية، لا في لقائها ولا في غيابها ..نعم أحب وجه الأنثى، فهي التي فيها الحب والحنان والجمال .. لم أسمع بزهرة مذكرة تأتي بثمر أو بجمال ..
ماكدت أغفو، حتى رأيت وجه لولية !
مرت على غيابها السنون الطويلة .. وكما كانت صورتها بقيت .. هي غابت طفلة .. تشبه شادي عندما غاب عن فيروز .. عندما كان يلعب على الثلج فضاع شادي وما عاد .. لولية غابت وما عادت، وما زالت لولية تجمع اللوز في أول الربيع، ومازالت تتحنى بقشر الجوز .. ومازالت تجمع أكواز التين الذكري، ومازالت تخيطها في مشلال ثلاثي، ثم تعلقه على شجرات التين ..
كنت أسألها:
- أتعرفين لولية لماذا نقطف التين هذا وهو غير حلو ومليء بالبرغش ونعلقه على شجر التين الحلو؟ ..
- قالت جدتي: إن هذا يجب أن يتعلق برقبة هذا حتى ينضج التين ويصبح حلواً .. وإلا فإنه يصبح تيناً ريحياً، لاطعم، ولا نكهة ولا رائحة ....
- أتعرفين لماذا، لولية؟!
- لا والله، لست أدري! لا أحد يجيبني! قالوا إنني صغيرة، وعندما أكبر أتعلم!
- قريباً أدخل مدرسة الدولة! سأسأل الأستاذ! سألت أنا أمي وأبي أيضاً .. وسألت الشيخ نبيه، فقرأ لي آية لم أفهمها.. وخلقنا منها الذكر والأنثى ..
ولما طالبته أن يشرح لي، قال: اخرسي، فخرست، ومع ذلك قررت أن أعرف ..
ضحكت لولية، ثم هرعت كالغزالة، وبسرعة صعدت شجرت التين، وقفت في عبها وراحت تعلق أطواق التين اللقح، وتغني : عالروزانا عالوزانا، كل الهنا فيها ..
- زهير ! لا تسأل كثيراً .. قالت جدتي لا تسألي كثيرا .. كل من يسأل يتعب .. اسكتي وتعلمي من الكبار .
سمعت صوت الممرضة آنا ماريا تناديني:
- "سير ! كيماته؟" سيدي، هل نمت؟!
أيقظني صوتها، كمن فوجيء بحدث خطب جلل..
- مابك سيدي .. لقد تركتك في أحسن حال، ويجب أن تخرج خلال ساعة إلى البيت . أنت بخير ولكن لماذا نقزت هكذا؟ !
- آنا ماريا ! لولية وقعت من أصل التين .. طار صوابي! وقتها فهمت ماذا تعني اللهفة .. ركضت إليها حملتها واحتضنتها .. وهي تقول لي : أنا بخير، ولكنني لم أصدقها .. كنت في السادسة من العمر وكان قلبي ابن العشرين...
ضحكت أنا ماريا، ثم سألتني :
- وكم عمر قلبك الآن إذن؟!
- اطمئني! مازال في العشرين!
- احك لي عن نقطتين ! أنتم الأدباء تثرثرون كثيراً، لكنني أعشق ثرثرتكم .. قرأت روايات عالمية كثيرة .. بحثت بسرعة عن اسمك في النت فوجدت لك فيديوهات وروايات وقصائد وقصصاً كثيرة، لكن لسوء حظي لا أعرف العربية .. احك لي إذن عن لولية، وعن ماذا تكتب .. أرجوك وقتنا قصير لك ولي . قد يأتي الطبيب ليخرجك، وأنا تنتهي فترة راحتي، وربما لن نلتقي بعد ذلك ..
بدأت أثأثيء بالكلام .. وعادت عيناي لخيوط الدمع ..
- " كم اوون ! واي؟ !" لماذا؟ !
- قولك ياصغيرتي بأن وقتنا ضيق، وقد لا نلتقي بعدها .. هو بالضبط ماحصل بيننا، لولية وأنا .. لولية، والاسم يعني لؤلؤة Pearl .. أتعرفين هذه الجواهر .. كانت لولية أحلى، وتمتاز عن الجواهر بحيوية، مابعدها ..
عندما سقطت من على أصل التين تزعزعت روحي .. وقال قلبي الصغير وقتها إذا حصل شيء لها فسأعمل مثل روميو وجولييت ..
- وهل كنت تعرف وقتها شيئا عن روميو وجولييت؟
- أكيد ما كنت أعرف وقتها، لكنني أقولها لك الآن لأنني كنت أفكر لو أنها ماتت فمثلها سأموت .. أليست هي قصة حكاية شكسبير؟! تلك القصة التي أسرت قلوب شباب العالم؟!
- أين هي لولية الآن؟!
- لا أدري! بعد تلك الفترة، فترة الطفولة، شحت الأرض .. شحت قلوب الناس كما شحت المياه، وماتت الأشجار، ونفقت الشياه .. وصارت الكلاب ترضع ضروع الأبقار النافقة، فهاجر الرجال ولحق بهم معظم النسوة والأولاد .. كلما سمعت أغنية الروزانا بكيت ..
- وماذا تعني الروزانا؟
- لا أدري والله أيضاً، لكنه كان يكفيني أن توقظ فيني صوتها ..
اقتربت مني قليلاً ونظرت في وجهي، وكأنها تسألني سؤال التحدي الأهم :
- قل لي! لو رأيت لولية الآن هل تعرفها؟ ! خاصة إذا كانت منقبة أو محجبة، وهي لابد وأن طباعها وتقاسيمها قد تغيرت ! بعد أربعين سنة وأكثر، كيف ستعرفها، وقد كانت وقتها مجرد طفلة؟!..
تخيلت فعلاً أنني التقيت بها، فامتد نظري مجددا عبر النافذة أعانق المنظر الساحر، وكأنني أرى لولية الصغيرة مقبلة ..
- آنا ماريا .. سأقول لك سراً: لنفترض جدلاً أنني رأيت أنثى، لابد وأن تكون جميلة، فلولية جميلة جداً. أعلم أن هذا لن يكفي لكي أتعرف عليها .. أسمع صوتها الذي لابد أن يشير لي بشيء، ولكنه قد لايكفي أيضاً، أما الأمر الحاسم فهو ..
اقتربت كثيراً من الفتاة ، ثم تابعت:
- .. أقترب منها، أشم رائحتها .. والله لو هناك أي عطر في الدنيا، فلن يطغى على رائحة جسمها .. لولية، عندما حملتها امتلأ دمي.. وامتلأت خلاياي، بل امتزجت برائحتها الخاصة التي مافارقت ذاكرتي النفسية والحسية أبداً ..
- أتعرف أنه عيد الحب اليوم؟!
أنصت .. نظرت من النافذة .. عيدا جديداً كنت أنظر، حتى السماء ..
- هذا هو الشرق، أليس كذلك .. هناك ! منذ الأعوام الطويلة فارقت عمري! أتعرفين يا آنا ماريا آلة اسمها آلة الزمن . أدفع كل عمري لساعة أراها فيها لأقول لها كل عام وأنت بخير حبيبتي .. أنا دفعت العمر انتظاراً لأمر لن يأتي أبداً.. لكنه الحلم الإنساني يا أناماريا..
هي كل قصائدي وديواني وألحاني وكل مافي الكون أسعدني وأبكاني ..
سادت فترة صمت قطعتها الغريبة الجميلة بكل هدوء، وهي تراقب انفعالاتي ..
- يهرب الوقت ياسيدي، ولم تحدثني عن رواياتك وقصائدك وقصصك، وحتى سيناريوهات كتبتها ..
شددت جسمي قاعداً على السرير ..
- كل ما كتبته، صغيرتي آنا، كان لها .. عشرة آلاف صفحة من أجل عينيها ليقرأها العالم أجمع . تعرفين كيف أن كل شيء مفتوح في عصر النت رغم الضيق على أرواحنا ..
- روايتي الأولى كانت روحها رفيقتي، وفي روايتي الثانية كنت أبحث عنها، وفي روايتي الثالثة تأكدت أنها نصفي المفقود .. أما في قصصي فهي دوماً موجودة .. هي قد مثلت لي كل إناث الدنيا، وفي شتى أصقاع الأرض ..
أنت مثلاً فيك شيء منها ..
هنا انتصبت آنا ماريا .. معلنة بداية انصرافها ..
- سيدي ! هل تأمل في أن تلتقاها ذات يوم؟!
- ولكنني ألتقي بها في كل يوم ! هي في روحي أبداً .. وأقول لك، إنني أتسقط الأخبار كلما استطعت..
أتعرفين شيئاً يا آنا؟ ! قريباً جدا ستكون بلدنا بخير .. وعندها كلنا سنجتمع هناك .. وسنلتقي مجدداً .. هذا الأمل يراودني باستمرار .. سمعتيني أهلوس . أقول النفي من منفانا .. والغربة من غربتنا .. فكري جيدا .. لم تكن هلوسات، صحيح أن أحداً لن يفهمها .. لكن لو أن هناك أحد من وطني، حاله كحالي، لأدرك ما أقول .. كم نحتاج لهجرة من هجرتنا، ونفي من منفانا ..
صمتت آنا ماريا مجدداً .. اقتربت مني .. ثم قالت مازحة:
- هل أذكرك أنا بلولية؟ !
- نعم ! ولكن لست وحدك، فكل أم تذكرني بها .. وكل جميلة تذكرني بها .. وكل قصة حب ..
صافحتني بحرارة ..
- لعلمك أخبرت أسرتك وهم قادمون حالاً ليرافقوك إلى البيت .. كن سعيداً ..
هززت رأسي ..
- مع السلامة آنا ماريا ..
كانت الفتاة تبتعد، وهي تتلفت نحوي عدة مرات، بينما أسرتي قد بانت عبر النافذة في موقف السيارات وقد بدأت بالاتجاه نحو قسم الإنعاش الذي أنا فيه ..
أعلم أنني سأتلقى بعض التوبيخ لعدم اهتمامي بصحتي، لكنني بالتأكيد سأكون في عالم آخر أبحث فيه عن لولية، في وطني .. لنعيد زراعة أشجار التين من جديد، ولنعلم صغارنا كيف يلقحون التين الأسود والسلطاني والأبيض، ونخبرهم لماذا وأين هي الحقيقة ..
*** * ***
زهير